منتدى أطباء الإمتياز

منتدى طبى لأطباء الإمتياز المصريين و العرب
 
الرئيسيةالرئيسية  البوابةالبوابة  س .و .جس .و .ج  بحـثبحـث  الأعضاءالأعضاء  المجموعاتالمجموعات  التسجيلالتسجيل  دخولدخول  

شاطر | 
 

 يوميات طبيب....ياترى ده العادى؟؟؟؟؟

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
Mezo
Admin
avatar

المساهمات : 35
تاريخ التسجيل : 09/10/2008

مُساهمةموضوع: يوميات طبيب....ياترى ده العادى؟؟؟؟؟   الإثنين أكتوبر 13, 2008 4:13 pm

يوميات طبيب....ياترى ده العادى؟؟؟؟؟

--------------------------------------------------------------------------------

صباح اليوم الأول الذي مارست فيه عملي كطبيب.. صباح هذا اليوم الذي هو يوم خاص ليس كأي يوم؛ حيث تشرق أشعة الشمس أكثر دفئًا وتستيقظ قبل أن يحين موعد استيقاظك شاعرًا بأنك ولدت –لتوك- من جديد.
الخطوات المسرعة التي لا تكاد تلامس الأرض وأنت تسير وحدك في هذا الوقت المبكر من الصباح.. هبات الهواء اللذيذ المنعش الذي تملأ به صدرك وتغسل به كل ذرة من خلاياك. المشاعر المتضاربة بين الخوف والأمل والرجاء وإحساسك الداخلي الخاص بأنك صرت رجلا.
في هذا اليوم كان موعدي مع الصدمة الأولى.


------------
الاســم:- جمعـة المرزوقي
التشخيص:- التـهاب رئوي حاد مصحوب بفشل في القلب
العـلاج:- .............................. .....
.............................. .....
.............................. .....
كان طبيب الأطفال منهمكًا في فحص صاحب هذا الاسم والذي كان طفلا صغيرًا لا يتجاوز عمره العام الواحد، وكنا ملتفين حول الطبيب في نصف دائرة بعد أن التحقت بالعمل في صباح هذا اليوم كطبيب "امتياز" بقسم الأطفال..

شـرعت أرمق هذا الطفل الذي كـان مـجرد خـرقة باليــة.. أرمق رأسه الحـليق تمامًـا ووجهه الشاحب تشوهه آثار لدغات الحشرات القارصة، وعينيه المغمضتين اللتين تحوطهما دائرة من الطين الجاف والذباب الذي يرقد في اطمئنان على وجهه ويديه، وجسده الذي لا يتجاوز طول ذراع وقطعة الكستور الممزقة القذرة تلتف حول هذا الجسد.. وزرقة شفتيه التي تنبئ عن حالة قلبه المتدهورة.

- لماذا تأخرت في المجيء للمستشفى!! سيموت ابنك بسبب إهمالك.

هكذا زمجر الطبيب وهو يرمق -بعينين عدائيتين تفيضان اشمئزازًا- أم الطفل التي طفقت تنظر إلينا في بلاهة.
كانت مجرد فلاحة عادية نحيلة وطويلة العود.. قدماها حافيتان سميكتان وأصابع قدميهــا ملطخة بالطين الجاف وملامح وجههـا تنتمي إلى أعمق أعماق الريف المصري.. تلك الملامــح العادية التي لا تتذكرها أبدًا.. هذا القناع الجامــد الذي تــحول إلى مجرد "أكليشيه" يطبـع منـه آلاف النسخ لآلاف الوجـوه.
كانت متـشحة برداء أسود تتناثر فيه ذرات الدقيق الأبيض وتفوح منه هذه الرائحة المميزة للريف المصري.. رائحة الأرض والروث والبؤس، وكانت تحمل بإحدى يديها صُرة قذرة وتمسك باليد الأخرى يد طفل صغير ينظر نحونا في فضول.
- ادخلي العنبر.
بيد معروقة خشنة تناولت الأم "جمعة" ومضت به صوب العنبر.
- لا فائدة..
هكذا أدلى طبيب الأطفال برأيه الأخير وهو يضع السماعة الطبية على صدر طفل آخــر.




------------
في هذا اليوم الأول كنت مسئولا عن أول نوبتجية في حياتي...
الزمان: اليـــوم الأول من شهر مارس
الوقت: الهزيع الأخير من الليل
المكان: قسم الأطفال
وحدي في الردهة أنظر إلى العـنابـر المظلمـة الغـارقة في النوم والتي تفوح مـنها رائـحة البول والمرض.. الليل الدامس.. الظلام البكر الأولي.
عيناي نصف مقفلتين وتيار من الـهـواء البارد ينساب من فرجة الشباك فأقـف مرتجفًا.. أذرع الردهة بخطوات نافذة الصبر..
- يا دكتور.. يوجد طفل مريض..
هكذا هتف شـبح امرأة تهبط الدرج بخـطـوات ثقيلـة.. أمعنت فيها فإذا بها أم "جمعة المرزوقي" الذي سلف ذكره، وكانت تدعك بشدة عينيـن مليئتين بالعُمـاص وعلى وجهها سيمــاء المستيقظ لتــوه من النوم..، وبجوارها رأيـت امرأة سمينة ترتدي ثياب النوم التـي تتـألف من الكستور الأخضر.
- إنه "ينازع" منذ ساعتين فأيقظت أمه لتأتي به إليك..
أخبرتني المرأة الأخرى وهي تحكم "الإيشارب" حول رأسها.

ولم أكـن بحاجة إلا لنـظرة واحـدة لأدرك أن هذا الطفل يمـوت الآن.. كان تنفسـه مضطـربــًا وتحولت شفتاه إلى لون أزرق خالص، وكان يتألم لو استطعت أن تتصور أن شيئًا عمره عام ووزنـــه بضـعة أرطال وطولـه لا يتجاوز ثلاثة أشبار يستطيع أن يتألم.
- قاتلك الله..
بخـطوات مسرعة قلقة صـرت أركض صوب أول عنبر صادفني حيث أبحث عن أسطـوانة الأكسـجـين التي يتوقـف عليهـا -الآن- حياة هذا الطفل التعس ناظرًا خلفي إلى أمه التي كانت تجر قدميها في خطوات زاحـفة ثقيلة مستحثًا إياها أن تلحق بي.

العنبر غـارق في الظلام الـدامـس... بيد مرتجفة صرت أبحث عن مفتاح الكهـربـاء ومنقبـًا بعيني عن أسطوانة الأكسجين التي لم أجدها.. ثمة وجوه تطلعت نحوي في شك لبرهة ثم دفنت رأسها في الوسادة.
- "الحكيمات.. أين الحكيمات؟"
بصـوت متهـدج لا يشبه صـوتي صـرت أصـرخ في العنبر الـهـادئ.. الأمر ليس هـزلا بالنسبـة لي على الأقل.. فحيـاة بشـريـة –ربما كانت رخيصـة- توشك أن تنتهي، وطفـل صغيـر –ربـــما كـان الموت خيرًا له- يوشــك أن يمـوت، والموت يحدث مع الأطباء الآخرين فحـسب لكــن يجب ألا يحدث معي.. ربما يتقبله بعض الأطباء في استسلام فلسفـي وربما يتقبله البعض بغيـر مبــــالاة وربما يتقبله الآخرون في حزن، ولكنني –أنا بالذات- لن أتقبله على أية صورة..
أعلم أنني لن أستطيع أن أحيا بعدها في سلام أو هكذا خيل إليّ وقتها على الأقل.

- "الحكيمات.. أين الحكيمات؟"
بانفعال يقترب من الهستيريا وبغضب متزايد طفقت أنادي في العنبر الصامت صمت القبور بينما أنا أدق بيدي وقدمي على الباب الخشبي لحجرة الحكيمات والذي صار يترنح تحت وطأة قدمي، من فرجة الباب أطل وجه حكيمة مشعثة الشعر كريهة الأنفاس تنظر.
- ماذا حـدث؟
- هذا الطفل يموت الآن.. أريد الأكسجين!
أشارت بيدها صوب أحد العنابـر فمضيت ركضًا إليه مشيرًا بيدي لها أن تلحق بي.. أسطوانــة الأكسجيـن.. أخيرًا اسطوانة الأكسجين الحبيبة.. أحكمت الكمامة على وجه الطفل بينما كــان جسدي يرتعد من الانفعال..

وطفقت أنتظـــر....
اللون الأزرق يتلاشى بالتدريج..
أنفاس الطفل تنتظم رويدًا..
وسلام هادئ يرفرف على روحي.. سعادة حقيقية لم يعكر صفوها غير هذا الســؤال الذي راح يتردد في ذهني..
"وماذا أفعل بعد ذلك؟"
لقد منحت هذا الطفل الإسعافات الأولية ولكن هل تكفي وحدها؟
لا أعلم.. فخبرتي لم تتعدَ صباح هذا اليوم الأول...
ثمة حل واحـد إذا.. لابد أن استنجـد بطبيـب الأطفـال النوبتجي والذي يقطن في السكـن الخـاص بالأطباء..
صرت أخط على ورقة منزوعة من إحدى "تذاكر المرضى" الأعراض المرضية الخاصة بـ"جمعة" وأرسلتها مع إحدى الحكيمات إلى الطبيب النوبتجي سائلا إياه الغوث.
كنت أتمنى لو استطعت إحضاره بنفسي لكنني لم أكن آمن أن أترك "جمعة" مع تلك الحكيمة التي كانت تنظر نحوي ونحوه بعينين عدائيتين.
وطفقت أنتظر...
الدقائق تمضي والحكيمة لم تعد بعد.. وطبيب الأطفال النوبتجي لم يحضر هو الآخر.. ومشاعر السخط نحوه تتفاقم في نفسي.. لماذا تركني وحدي وهو يعلم علم اليقين أنني لست كفئًا لتحمــل هذه الأمانـة.

والدقائق تمضي...
كانت أم "جمعة" تتهامس مع المرأة الأخرى ثم اقتربت مني وأخبرتني بصوت أجش يغلبه النعاس:
- يا دكتور.. سـأدع الطفل مع هذه المرأة.
وأشارت صوب المرأة الأخرى.
- أين تذهبين؟ سألتها في نفاد صبر.
- سأمضي إلى الطابق الأعلى.. ابني الآخر ينام وحده..
- فلتنتظري حتى نرى هل يمكن إنقاذه..
- يا دكتور.. ابني الآخر ينام وحده.. قالتها في توسل حانق، فتدخلت المرأة الأخرى وهتفت بـي:
- دعها يا دكتور.. سأعتني به.

وبينمـا كانت أم "جمعة" تغادر العنبر بدأت أفهم..
الطفل الآخر.. الطفل الذي لا يعاني مرضًا ولكنه –وبرغم ذلك- هو الطفل الأهم.. إنه الذي سيساعدها عن قريب ويجلب لها النقود كلما (طير) على غيطان الفول مع أقرانه.

- يا دكتور أسطوانة الأكسجين توشك على النفاد.. أخبرتني الحكيمة.
- يا للمصيبة والحل؟!
- العامل يأتي بأسطوانة جديدة..
- وأين هو الآن؟
- لا أدري.

الوقـت لا يتسع للشجـار فـ"جـمعة" قد بدأ يعـود إلى اللـون الأزرق اللعين وأنفاسه توشــك على التوقف.. أسرعت راكضـًا وأنا أصرخ مناديًا على العـامـل النوبتجـي بينما كانت يد ثقيلة شريرة تعتصر قلبي..
- خيـرًا يا بـك..
طالعني وجه بليد ذو نظرة غائمة من إحدى دورات المياه..
- أين العامـل النوبتجــي؟
- أنا يا بــك..
بصوت لاهث أخبرته أن هناك طفلا يموت الآن وأنه يحتاج إلى الأكسجين لأن الأسطــوانـة أوشــكت على النفاد ولذلك فلابد الآن من إحضار أسطوانة أخرى من أي مكــان.
- لن أقدر على حملها وحدي.
- اسمع.. سوف أشكوك صباحًا وأتهمك بقتل الطفل..
- حسنـًا يا بـك.. سآتيك بها..
واستدار الهوينى وهو يهز كتفيه العريضتين..




------------
دلفت إلى العنبر فارتجفت من هول ما رأيت..
رأيت "جمعة" راقدًا على ظهره فوق ترابيزة خشبية وهو يركل بيديه وقدميه الهواء مثل سلحفاة مقلوبة على ظهرها وكان يصرخ بلا صوت.. كيف عرفت أنه يصرخ ما دام لا صوت هناك؟ لا أدري.

كمامة الأكسجين كانت على وجه طفل آخر يضحك سعيدًا بلعبته الجديدة أما الأم فتبتسم ابتسامة بلهاء وتربت على كتفه في حنان جشع..
وعلى مقربة تقف تلـك المرأة السمينة التي تكلفـت برعاية "جمعة" ترمـق المشهـد دون اكـتراث.
الأمــر واضـح ولا يحتاج إلى تفسير.. فهذه المرأة قد ظنت أن الأكسجين شيء مفيد مادمت أحرص عليه هكذا ولذلك فقد انتزعت الكمامة من وجه "جمعة" ومنحتها لابنـهـا في شراسة القطة التي تخربش من أجل أطفالها مع لمسة من "الاستخســار" في المشهد حيث إنه لم يحدث قبل ذلك أن رأت شيئًا مفيدًا دون أن تحاول الظفـر به.
لم أنبس بحـرف.. وبينما كان "جمعة" يلفظ على يدي أنفاسه الأخيرة لم تسقط دمعة واحدة من عيني فعندما تحــارب الدنيا بأسرها طفلا مريضًا بل وتقاتل من أجل سلبه شيئًا تافهًا لا يضر أحدًا مثل حياته حينئـذ تصبح الدموع لا معنى لهـا.. مجــرد مـــاء مالح..





------------
الفجر يقترب وثمة بصيص من النور الرمادي الشاحب يغشي السماء السوداء الداكنة.. وكل شيء أخلد إلى الصمت من جديد.. وعاد العنبر مظلمًا بعد أن أخلد الجميع إلى النوم..
أتكئ على حـافة النافذة وأرنو إلى الأفق البعيد.. ثمـة شيء عزيـز في نفسي يسقط -دون أن أسمع صوت ارتطامه- ويتحطـم.. وفي نفسه أمنية واحـدة.. النوم حتى الموت..
ومن بعيد لمحت على ضوء الفجر الشاحـب الأم وهي تحمل شيـئًا صغيــرًا ملفوفًا في طرحة سـوداء وتبتعد.. كانت تحمل "جمعة".. ذلك الطفل الذي لم يرغب فيه أحد فمـات.. إنها ستلحق بأول أوتوبيس ريفي ينطلق مع خيوط الفجر إلى قريتها و كـانت تبتعد.. وطفلها الآخر يتواثب حولها في سعادة..
وكالتمثال ظللت أرمقهما حتى صارت مجرد نقطة سوداء في الأفق البعيد.


****** منقول ******

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://mezo.3oloum.org
 
يوميات طبيب....ياترى ده العادى؟؟؟؟؟
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى أطباء الإمتياز :: المضيفة :: يوميات الإمتياز-
انتقل الى: